الأربعاء، 10 نوفمبر 2010

نحن والقدر


نحن والقدر

بعيداً عن الواقع الذي نعيشه أمام الناس ، كلانا يشعر بالوحده ، والمستقبل مجهول الملامح ، وكلانا يقول :
أين نحن من هذا الواقع ؟ وما الذي يختزنه لنا المستقبل ؟ وإلى أين تذهب بنا أقدارنا؟؟
خضم هائل من الأفكار والتصورات تتجسد بداخلنا في صورة حقائق نعيشها ونتفاعل معها. وكم نتمني أن تكون تلك الأماني والتخيلات جزء من حياتنا الملموسة؛ تلك الحياة المؤلمة ، نعم الهروب من الواقع المؤلم إلى الواقع المنشود. ليته يكون حقيقة !!
نعم لقد تحقق الحلم؛ والتقت الأختان بالصدفة، في عيادة لأحد الأطباء المشهورين.
" عندما دخلتُ إلى عيادة الطبيب حسب موعد الاستشارة لا أدري لماذا لم أتوجه إلى مكتب السكرتيرة كالعادة ؟
دفعني للأمام شئ غريب جعلني أقف في صمت؛ عندما وقعت عيني عليها تخيلت للحظة أنني في حلم ، أو ربما أمام مرآة .
لم أصدق ما تراه عيناي من شدة التطابق الذي بيننا ، تطابق قلما نلاحظه حتى بين التوائم ، نفس الطول ، نفس الهيئة ، نفس لون البشرة البيضاء التي تميل إلى الشفافية، نفس الملامح وبخاصة العينين الزرقاوين .
والأغرب من ذلك التشابه الحاد في نمط الملابس؛ فالجميع يشهد لي أني لم أسر على نمط الموضة السائدة وأحبذ ارتداء الملابس التي من تصميمي؛ التي يراها الجميع غريبة في ألونها وتصميمها مما يضيف غرابه وتميز لشخصيتي .
فيا للصدفة ، هذا الفستان الذي ترتديه شبيهتي لدي مثله. أذكر أني عندما ذهبت لشراء قماش مثل هذا الفستان سألني البائع سؤال غريب قلت وقتها أن هذا الرجل مصاب بالتهيؤات؛ فقد قال لي: ما سر إعجابك بهذا اللون الغريب الذي لم يشتريه أحد منذ أن أشتريته في العام الماضي لدرجة أني بعته لكي أمس بنصف ثمنه ؟ وما الذي جعلك اليوم تأتي وتشترى منه ثانية ؟؟؟
ألم تتذكرى الكلام الذي قالته لكي مدام " شهندا" مصممة الأزياء المشهورة التي قبلتيها بالأمس عندي:
" هذا اللون مخالف للموضه هذا العام وغريب للغاية، ولو اشتريتُ بعضاً منه وعرضته ضمن تصميماتي أراهن أن ولا سيدة سوف تشتريه ، ناهيكي عن التعليقات التي سوف أسمعها والتي قد تعرضني للخطر. يبدو لي أنك سوف تستخدميه في عمل بعض الستائر، أو تقدميه هدية لمرأه تحبي أن تسخري منها."
والغريب يا ابنتي أن ردك على مدام "شهندا" كان بنفس الحدة التي أرها مرسومة على قسمات وجهك الآن؛ لقد قُلتي لها :
هذا اللون رغم غرابته كما تقولين إلا أننى عندما رأيته أحسست أنه يعبر عما بداخلي ، فما كان من مصممة الأزياء إلا أن تنفست الصعداء ، وقالت: إذن فأنتِ فتاة شجاعة رغم حداثة سنك، اتنبأ أن تكوني في الأعوام القادمة من المشاهير "
فما كان مني بعد ما سمعت كلام هذا البائع العجوز؛ إلا أن قلتُ له: ربما أختلط عليك الأمر، وإن كان في كلامك شئ من الحقيقة فإن هذا اللون قريب إلى نفسي، فرد البائع قائلاً : هل حقاً سوف تشتري من هذا اللون مرة أخرى؟؟؟؟
فقلت في نفسي يا له من رجل لعبت الشيخوخة برأسه!!!!!!!
لكن عندما رأيتها ترتدي نفس اللون الذي اشتريته تذكرت كلام البائع الذي ظنت لوقت أنه مُخرف. لا أدري لماذا التصقت قدمي بالأرض عندما رأيتها، ولماذا تصاعدت ضربات قلبي عندما سمعت صوتها وهي تنادي على من كانت معها قائلة:
أنني في غاية القلق من نتيجة التحاليل التي طلبها مني الطبيب، وها دوري قد أقترب وقلقي معه قد أقترب. أبعد آلام الوحدة والغربة واليتم أتحمل آلام مرض يُقال أنه مزمن ووراثي.
نعم لقد أخبرني الطبيب - في المرة السابقة - أن هذا المرض وراثي، وسألني إن كان أحد الأقارب مصاب بهذا المرض؛ الأم ، الأب أو أحد الأجداد؟؟؟
فقلت له الأم ماتت وأنا صغيرة ولا أعلم إن كانت مصابة أو غير مصابة، أما الأب ... وسكت.
فقال لي: وماذا عن الأب؟
فقلت لقد مات أيضاً ؛ بالتأكيد مات .
فنظر إلىّ الطبيب في دهشة قائلاً: آسف لقد ذكرتك بأحداث مؤلمة، ولكن عليك أن تسألي أقاربك إن كانوا قد لاحظوا إصابة أحد أبويك بهذا المرض ، لا بد يا ابنتي من تتبع تاريخ هذا المرض داخل عائلتكم.
اغرورقت عيناي بالدموع عندما تطرق إلى أذناي حديثها مع من كانت معها ، وازداد خفقان قلبي.
وبدون تفكير اقتربت منها، ووقفت أمامها فجأة ؛ بصورة جعلتها هي و قريبتها تندهشان . وبعدها وقعت عيني على الاسم المكتوب على الظرف المرفق بداخله التحاليل وفوجدت بجوار الاسم : داليا فاروق عبد العال ، وبجوار السن : 25 سنة . فقلتُ في نفسي تشابه حتى في اسم الأب والجد! بل وتشابه في المرض!!
ولما رفعت عيني نحوها وجدتها تنظر إلىَّ بدهشة والابتسامة المشرقة تغمر وجهها؛ فاقتربت منها ووقفت أمامها.
وإذا بالسكرتيرة تقف أمامنا وتقول : توأم بالتأكيد ، لعلها نتنظر منا الإجابة التي تؤكد ما تراه عينيها !!!
وبعدما انصرفت السكرتيرة، نظرتُ إلى داليا وتكلمتُ معها مُعلقة على كلام السكرتيرة :
نحن نشبه بعض لدرجة بعيدة تعتقدي إننا أقارب أم مجرد شبه عادي ؟؟؟
فردت علىّ ببلاغة منقطعة النظير هزمت كل الشكوك التي بداخلي؛ لابد وأنك أختي التي ضاقت بي السبل في البحث عنها.......
لقد أذهلني ردها القوي والمفاجئ ، توقف ذهني من كثرة التشتت لحظات، وإذا بي افقيق على صوت السكرتيرة : داليا هذا دورك، تفضلي ، الطبيب بانتظارك.
فتقدمت داليا خطوة للأمام نحو حجرة الطبيب، ثم استدارت ، ورجعت وامسكت بأطراف أناملى المعلقه في ذراع الحقيبة التي على كتفي الأيسر، وقالت:
انتظرني، بالله عليك أن تنتظريني، وجرت مسرعة إلى حجرة الطبيب.
وبعد أن بعدت عني ظلت كلماتها "لابد وأنك أختي" تتردد في رأسي . فلم يكن يتبادر إلى ذهني فكرة أن تكون لي أخت فأنا الابنة الوحيدة عند أمي وأبي ، حقيقةً قد تزوج أبي من أخرى، لكنه لم ينجب سوى ثلاثة أبناء (أحمد وأيمن وأسامة)، و لم اسمع أنه تزوج غير تلك المرة التي كانت منذ 21 سنة.
إذن فلماذا تقول تلك الفتاة أنها أختي ؟؟؟
علىَّ أن أنتظر حتى تخرج من حجرة الطبيب وليكن ما يكن .....
أحقيقة الحلم الذي رأيته أول أمس؟؟؟؟
هيهات ، هيهات، أتذكر أني رأيت شبح يشبهني؛ وإن كانت الملامح غير واضحة ؛ فكأن هناك ضوء شديد مسلط على هذا الوجه، ونحن في ساحة يموج بها الدخان، وحولنا حشد من الناس ؛ أشخاص اتذكرهم جيداً (سمية ، أسامة ، شرين ، محمد)، وعائله لم آرها من قبل؛ ( حسام وسامي ابنا ناهد وفتاة يقال أنها أختي). وأسماء أخرى لا اتذكرها .
وأبواب تُفتح وأخرى تُنغلق ، وغرف من داخل غرف، وأناس كثيرون ، وأصوات غير منتظمة ....
واذكر أنه كان هناك جسر يصل بين بيتي و بيت هؤلاء الأشخاص ...
يا إلهي فأحلامي أغلبها ييتحقق، لكن ماذا يحمل هذا الحلم في طياته ، علىَّ أن انتظرها.
ثانية انتظر؛ آه وما حياتي إلا سلسلة غير متناهية من حلقات الانتظار !!!
لكن هذه المرة انتظر المجهول!!!
كثيرا ما كنت انتظر تحقق أحلام وطموحات، لكنني لم أكن متأكدة من تحققها. اليقين الوحيد الذي انتظره ولا أدري متى وكيف سوف يتحقق، وإن كنت متأكدة من تحققه هو الموت.
نعم، الموت هو الحقيقة الوحيدة في حياتي.
وظلت أموج من الأفكار المتلاطة ترطتم بجنبات عقلي حتي أصابني صداع حاد ...
وفجأة تحرك باب الطبيب. وإذا بداليا تخرج مندفعة، تنهمر الدموع من عينيها، وتجري نحوى مسرعة، وترتمى في حضني قائلة:
أنتِ آخر أمل، وتطلب من قريبتها أن تسبقها إلى المنزل ...
فأمسكتُ بأطراف أصابعها التي كانت أشبة بقطعة من الثلج، وجلسنا معا في مؤخرة حجرة استقبال المرضى بعيداَ عن تلك السكرتيرة الثرثارة ....
وقالتُ لها أهدئي، ماذا بك؟
فنظرت إلىَّ، وقالت: هل مازال أمامك وقت كي تسمعيني؟
فقلتُ لها: أن عيادة الطبيب اليوم تعج بالمرضى، وقد أتيت متأخرة وباقي على دوري أكثر من ساعة .
قولى لي ماذا بك ؟
فقالت سوف أحكي لك شئ مما بي، فلدي أحساس أن القدر وضعك في طريقي اليوم لأنك قسيمتي في قدري!!
ثم بدأت تحكي:
"باختصار لم يكن لي في الدنيا غير أمي وخالتها. وقد ماتت أمي وأنا في السابعة عشر من عمري. لكن ليس هذا هو المهم، فأنا معزبة منذ ولدت؛ فأمي كانت مصابة بمرض عقلي يقال أنه منتشر في عائلتها بسبب زواج الأقارب .
وعلى الرغم من أنها كانت في الثلاثين من عمرها حين أنجبتني إلا أن عقلها كان عقل طفلة، هذا بالإضافة إلى التصرفات اللاإرادية التي كانت تصدر منها ؛ والتي جعلتني لم أحس نحوها بأي نوع من مشاعر الأمومة. فكثيرا ما كانت تضربني بعنف شديد وتأخذ منى دميتي الصغيرة التي كنت أحبها وتحاول تمزيقها فكنت أصرخ وأبكي...
آه كلها ذكريات مؤلمة حبيسه داخل صدري...
لكن الأم الحقيقية بالنسبة لي ولها أيضاً كانت خالتها ؛ التي تزوجت من أبيها عقب موت جدتي. وهي خالي سامي وخالي حسام ؛ ماما ناهد خالة أمي "سناء" التي كانت بالنسبة لي بمثابة الأم الحنون التي حُرمت منها ....
وأخذت داليا في البكاء الشديد وهى تحكي عنها وتقول: فهي تكبر أمي بنحو عشرة أعوام وقد تزوجت من جدي لكي ترعى أمي التي تركتها لها أختها أمانة .....
لكن الخطأ الوحيد الذي أرتكبته ماما "ناهد" بعد موت جدي؛ إنها زوجت أمي لأبي . هذا الرجل الذي لا أعرف عنه سوى اسمه .
لقد أخرجت لي ماما "ناهد" - قبل موتها- صندوقا به وثيقة زواج أمي ووثيقة طلاقها بعد ثلاثة أسابيع من تاريخ الزواج وصورة أُخذت لأمي وأبي يوم عقد القران. لكن للأسف فالصورة الوحيدة لأبي يظهر فيها بزاوية ووجهه بها غير واضح ، وصورة لخالي "سامي" وخطيبته التي من المفروض أنها عمتي "هدى" ؛ يبدو أنها تشبهني وتشبهك.
وعرفت من ماما ناهد أن أبي لم يكن يعلم أن أمي متخلفة عقلياً إلا بعد الزواج. لقد كانت أمي جميلة الصورة و قليلة الكلام ولم يكن أحد يعلم أنها متخلفة عقلياً.
وبعد أن أرسل لها أبي وثيقة الطلاق حدثت مشاكل بين العائلتين ، نتج عنها أن عمتي هدى رفضت خالي سامي لأن أخته متخلفة عقلياً، وأنها إذا تزوجته سوف تنجب أطفالا متخلفين.
وبعدها اكتشفت ماما "ناهد" أن أمي حامل؛ فذهبت إلى بيت جدتي لأبي وسألتها عن أبي . فقالت لها: أنه ترك المنزل وسافر ولا نعلم أين هو .
وعندما ولدتني أمي كررت ماما "ناهد" السؤال عن أبي، لكن السؤال كان دون جدوى؛ فقد علمت من جيران جدتي أن أبي مختفي بسبب قضية النفقة التي رفعتها عليه زوجته الأولى!!!
وكبرت وتعلمت ودخلت كلية الأداب قسم علم نفس لكي أحل عقدي واتعلم كيفية التعامل مع ذوي الأحتيجات الخاصة ، لكن أمي ماتت قبل أن أعالجها ....
لا تضحكي، كنت أظن أني سوف أتخرج من كليلة الأداب طبيبة نفسية!!!
لا عليكِ، فلنكمل الحكاية ؛ فمذ عام بدأت أمراض الشيخوخة تزيد على ماما "ناهد"، وعندما اشتد عليها المرض وقبل موتها بنحو ثلاثة أيام قالت لي:
ليس من المهم أن تجدي أبيك فلا جدوى من هذا الرجل؛ الذي علم بالتأكيد أن له أبنه أخرى ، لكنه لم يفكر في السؤال عنها. ربما اعتقد أنك متخلفة عقليا مثل أمهك . فلا تتعبي نفسك في البحث عنه حتى لا تُصدمي بالصورة التي رسمتيها له في خيالك...
أعلم أنكِ إن وجديه لن يتغير الحال كثيراً ؛ لأنه رجل جبان لا يحب تحمل المسؤلية...
المهم أن تجدي أختك، فقلت لها ماذا تقولين؟
أختي !!!
فقالت لي بصوت خافت وأنفاس متقطعه : أبوكِ كان متزوج من قريبه له وأنجب منها طفلة ثم طلقها عندما علمت بالصفقة التي عقدهامعي؛ فقد تحصل مني على مبلغ من المال كان من ورث أمكِ من أبيها بغرض عمل مشروع تجاري . بخلاف طمعه في الشقة المكتوبة باسم أمك ونصيبها في إيجار البيت، وقرر أن يتزوج أمك سرا عقب خطوبة خالك "سامي" وعمتك "هدى" بيومين.
وقتها قال لزوجته أنه مسافر لزيارة خالته المريضته في المنوفية، وعندما اكتشفت الأمر طلبت الطلاق...
أبحثي عن أختك ؛ هي أكبر منك بحوالي ثلاثة أعوام .
ماما، ما اسمها؟
ابنتي لا اذكر .
تلك كانت مأساتي ، مأساة داليا!!!
"فقلت لها: اطمئني ياحبيبتي ، وانتظريني حتى أخرج من عند الطبيب لأن دوري قد حان الآن ، وسوف أحكي لكي الشق الثاني من المأساة، مأساة مي!!!!
وعندما دخلت إلى الطبيب صرخ قائلاً : لقد أخذتي الوقت المحدد لكي يا داليا، هذا الوقت من حق مريض آخر.
فقلت له: معذرة ، فأنا لست داليا، أنا مي. فابتسمم وتمتم قائلاِ : مي ولا داليا نفس الشبه ، نفس الصوت . يبدو أنها بداية زهيمر، وبعد ذلك كرر لي الطبيب نفس العلاج الذي اتناوله منذ سنوات .
وبعدها خرجتُ ، وطلبت من داليا أن نمشي معاً على البحر ونكمل حديثنا....
وما أن وصلنا إلى البحر وجلسنا معاً نأكل الفشار ؛ فتحتُ حقيبتي وقلت لها:
أغمضي عينيك يا داليا كي تري المفاجأة، وأخرجت هويتي، وقلت لها :
انظري إلى الاسم والسن : مي فاروق عبد العال. 28 سنة.
فامتلأت عينيها بالدموع ، وقالت : أختي ، لقد صدق حدسي .
فقالت لي: هل تصدقي، أقصد تشعري أني أختك ؟؟؟؟؟
فقلتُ لها : أود أن تكوني أختي ، وإن لم تكوني أختي في الحقيقة فأنا أعدك أنكِ سوف تكوني أختي في الواقع الذي نصنعة لا الواقع المفروض علينا . من الأخر أنا أصدق أنك أختي ،حتي لو كان ذلك وهم فأنا أتمسك بالوهم .
آه يا داليا لو تعلمي أن الأوهام والأحلام والتخيلات كانت بالنسبة لي طوق النجاة الذي انقذني عدة مرات من حياتي التي تشبة كتلة الغمام التي فوق رؤوسنا الآن ....
وانهالت الأمطار علينا وأبتلت ملابسنا وقد أوشكت الشمس على المغيب؛ فقررنا أن نتقابل غداً صباحاً ، وطلبت منها أن تحضر المستندات الخاصة بها، وتبادلنا أرقام التليفون وذهبت كل واحدة في طريقها....
كلتانا كانت تعيش وحيده غريبة عن الواقع تنسج من نفسها صديقة تتحدث إليها ، نعم لم يكنا أمامنا سوى هذا الحل بعد أن عنينا كثيراً واكتشفنا أننا نسير وراء السراب ، لقد أصبح البحث عن صديقة وفية أمرا صعبا بعيد المنال . كنت لا أصدق العبارة التي تقول " من رابع المستحيلات الغول والعنقاء والخل الوفي"؛ كثيراً ما كنت أتأمل هذه العبارة وكنت انزعج منها وكنت أقول في نفسي استحالة وجود غول أو عنقاء لأن كلاهما حيوان خرافي ليس له وجود على أرض الواقع أما الخل الوفي فكنت أعتقد أنه ليس واحد من المستحيلات ، كنت أظن أنه أمر يعتمد على حسن الأختيار، لكن في نهاية الأمر اكتشف أن الأمر لا يعدو مجرد أكذوبه ...
هيهات ، هيهات حتى بزغت شمس اليوم التالي واستيقظت على رنين التليفون.عندما فتحت عيناي تذكرت ما حدث أمس لم استطع أن أُفرق بين إن كان ما حدث أمس حقيقة أم حلم!!
وظل جرس التليفون يرن، وبعدها ذهبت وجلست بجوار المنضدة، ورفعت سماعة التليفون، يدي ترتعش وقلبي يخفق بشدة عندما سمعت صوت داليا ، فقلتُ في نفسي أتلك بداية نهاية وحدتي وكآبتي أم بداية حلم جميل؟؟؟
وظلت داليا تتحدث وتتحدث وأنا غير منتبهة لكلامها ، إلى أن قالت لي: هيا نذهب لبيت أبي ونعمل له مفاجأة. بالتأكيد سوف يفرح. أظن أنه لم يذهب حتى الآن لعمله، فمازال الوقت مبكرا ومازالت الشمس لم تشرق بعد....
فقلت لها نعم مازالت الشمس لم تُشرق بعد !!!!
مازال الأمر غير واضح!!!!
فقالت بلهفة وبكلمات متلاحقة: صفي لي أبي، صفي لي بيت أبي ، أين يسكن ،حدثيني عن كل شئ يخصه . كم أنا مشتاقه لمعرفة كل شئ عنه ، كم أنا مشتاقه لرؤيته ، لسماع صوته ....
عندما يفتح لنا باب شقته سوف ارتمي في حضنه، بالتأكيد سوف يفرح.....
مي لماذا أنت صامته ؟ هيا بنا نذهب إلى أبي.
فقلت لها بلهجة شديدة: اسمعي، احذرك منذ البداية حتى لا تُصدمي، افيقي من حلمك. نحن لا نعلم عواقب الأمور ولا نعلم كيف يتقبل أبانا هذا الأمر....
فقالت لي: فهمت قصدك بالتأكيد أنت مشفقه على أبي من المفاجأة، معك حق ...
إذن فالأفضل أن نذهب إليه ولا نقول له شيئا ولنرى ماذا سوف يفعل!!!
معك حق يا داليا، اتفقنا، فلنترك الأمر إلى الله وليفعل الله ما يشاء.
وكانت المفاجأة – بالنسبة لدليا- لا بالنسبة لي لأنني كنت أعلم رد فعل هذا الرجل المجرد من مشاعر الأبوة مسبقا؛ فالأمر لم يفرق معه في أي شئ....
نعم ، لقد اشفقت على داليا كثيرا من هذا اللقاء، فعندما وصلنا إلى بيت أبينا ظل قلب داليا يخفق خفقان شديد إلى أن فُتح باب الشقة، وتحول اللقاء المرتقب من لقاء حار يروي ظمأ السنين إلى لقاء يشبه كتلة الثلج.
كنتُ أظن أن المفاجأة في حد ذاتها سوف تُذيب جبل الجليد، لكن القاء فاق كل التوقعات، ظل أبي برهة لم ينطق بكلمة، وبعدها قال " ما الذي جمع الشامي على اليمني". ثم أدار دفة الحديث نحوي قائلا: إن كنت قد عرفتي فليس هناك داعي أن تخبري أخوتك بما عرفتي. لا أحب أن تفتح علىّ النيران من كل جانب، فلا أحد يعرف شيئا عن زوجتي الثانية سناء. وهذا الموضوع دفن منذ زمان بعيد، ولا أُريد أن يفتح. لا أريد مشاكل مع زوجتي وأبنائي. أما الآن فقد تأخرت على العمل، من الأفضل أن تذهبا قبل أن يشعر بكم أحد ؛ فما زالوا نائمين.
وقتها اشفقت على داليا من هذا الموقف، لكن كان رد فعلها غير متوقع، فكنت أظن أن هذا اللقاء يؤثر على مشاعرها الرقيقة، لكن القسوه التي تطل من عيناه المتجمدتان جعلت داليا تصر على إثبات وجودها؛ فصرخت داليا صرخات قوية جعلت النائم يهرول مفزوعا، وفجأة ازدحم المكان وعج بأشخاص من كل لون وكل سن وأصوات خشنه وأخرى رقيقه وانفاس تتصاعد كالدخان، فجأة تجردت من الواقع وتذكرت الحلم!!!
وما كانت إلا لحظات وخرجت من حلمي على صوت يهمس في أذني من وسط الزحام؛ فارتعد جسدي ودق قلبي دقات لم اسمعها منذ سنين....
نعم أعرف هذا الصوت العذب الذي كان يزلزل كياني عندما اسمعه، ولكني أخشى أن ألفت فلا أجد الصورة التي لم تفارقني منذ أن افترقنا. لقد تعبت ومللت من البحث عنه. وتكرر الهمس في أذني مرة أخرى؛ فما كان علىّ إلا أن أُدير وجهي نحوه وليكن ما يكن.
إنه هو، نعم هو محمد، لقد فُتح الجرح القديم؛ ترى فتح ليطيب أم لينزف قطرات الدم المتبقية بداخلة؟؟؟
أمسكت يده الدافئة بأصابعي المرتعشة التي تشبه قطعت الثلج، ومشينا خطوات ، ووقفنا على السلم، وتكلمنا في أن واحد: أراك في آخر مكان كُنت لا اتوقع أن أراك فيه. امتزجت الدموع مع الضحك، وامتزج الأمل مع الألم، وعاد الوجه العبوس يشرق من جديد...
لكن للأسف ما هي إلا لحظات وأسرع من أمامي مهرولا على صوت صراخ، التفت فوجت "محمد" يحمل داليا ويجرى على السلم، وأن ورائهم مسرعة. وركبنا سيارة "محمد" وذهبنا إلى المستشفى ....
وهناك قال لنا الطبيب أن داليا مصابة بإنهيار عصبي.
وعندما مالت الشمس إلى المغيب رجعت إلى بيت أبي لأطلب مساعدته؛ فلم يكن يتوفر معنا المبلغ الكافي لتسديد باقي حساب المستشفى . ومازالت داليا تحتاج أضعاف هذا المبلغ حتى يتم شفائها.....
ولكن كانت المفجأة غير المتوقعة؛ فلقد استقبلتني زوجة أبي وأخوتي اسقبالا حارا ينم عن مشاعر الأنانية والجحود ، قائلة : ليس لكما نصيبا في كل هذا الثراء، نحن فقط من تعبوا في تكوين تلك الثروة، ولن نسمح لكما أن تأخذا ولو جنيها من أموالنا. ولن تسطيعا أن تحصلا على إي شئ؛ فلقد انتقلت عقود الملكية إلى إخوتكِ؛ هم أحق بها منكما، هم الذين تعبوا في تكبير المصنع واليوم نقل أبيك ملكيته إليهم....
أسمعتِ لم يعد لكِ أنت والتي تدعي أنها أختك شئ، ولا تعقدا أملا حتى على الميراث.
فخرجت من بيتهم مسرعة وكأن نيران اندلعت في جسدي، وعنما ذهبت إلى المستشفى وجدت "محمد" بجوار داليا فحكيت له القصة من بدايتها....
فكان لنا طوق النجاة، نسى الخلافات القديمة و قرر مساعدتنا....
وبعد ثلاثة أيام خرجت داليا من المستشفى ، وتوجهنا إلى مكتب المحامي الذي يعمل به محمد وأطلعنا المحامي على القضية وتحمس صاحب المكتب لأن يرفع لنا قضية نفقة على والدنا.
ومضت الأيام ، وكنا نلتقي كل يوم أنا ومحمد ونسترجع الذكريات مرة نتفق ومرة نختلف ونتخاصم ونتصالح . وقررنا الارتباط، وأعلنا خطوبتنا ، لكن أبي لم يحضر حفلنا المتواضع الذي لم يشاركنا فيه سوى داليا وأبوي محمد.
وعندما وصل إعلان القضية إلى أبي فما كان منه إلا أن رفع سماعة التليفون وقال لي: سوف اقطع المصروف الذي ارسله إليك كل شهر - ذلك المصروف الذي لايكمل ثمن علبة دواء واحدة سوف يقطعه- وسوف أطعن في نسب أختك، قلتِ لي ما اسمها؟؟؟
ومضت أيام بعد أول جلسة تهرب من حضورها....
واستيقظت ذات يوم فجأة ودون تفكير وعلى غير عادتي ذهبت إلى منزل داليا في الصباح الباكر بدون موعد سابق، وكأن الأقدار شاءت أن تجمعنا حتى نتقاسم الألم مرة أخرى....
فصعدت على سلم داليا وقدمي تتعثر من شدة الألم ، نعم فقد هاجمتني نوبة من نوبات هذا المرض اللعين...
وطرقت باب داليا وفتحت لي الباب....
وبعد لحظات ظل الألم يتباطئ حتى يتلاشى، ترى هل من مفعول الدواء المسكن، أم من الأحساس بالدفء الأسري والمشاركة الوجدانية؟؟؟
وفجأة انقلب الجو وتحولت السماء الصافية إلى سماء ملبدة بالغيوم وقدمت رياح الخماسين وفي طياتها رمال صفراء تسد الأنفاس فأرسعنا لغلق النوافذ، واتجهنا إلى المطبخ لنعد كوبين من الشاي، وكنا في غاية الفرحة عندما بدأت الأمطار تتساقط وهدأت الرمال، وكأن هذا المطر ينزل على قلوبنا ويهدئ من روعنا ، فأتجهت نحو النافذة وفتحتها ووقفت داليا إلى جانبي نلعب بقطرات المطر مثل الأطفال.
وبعدما جفت عنان السماء عن البكاء وتلاشى المطر، حملت داليا أكواب الشاي وأنا ورائها بطبق البسكويت خارجين من المطبخ....
دق جرس الباب وخلف الباب صوت رجل يزعق: داليا ..داليا
افتحي يا داليا...
فوقعت أكوب الشاي الواحدة تلو الأخرى على الأرض ،وتناثرت فتات الزجاج على الأرض، ووقفت داليا صامته وكأن شئ قد حدث....
فتركتها وذهبت نحو الباب وفتحته، وإذا بخال داليا "سامي" يدخل مسرعا ومعه الجرائد ويقول:
لابد وأن يثأر الله للمظلوم... لابد وأن يأتي يوم ويعود الحق لأصحابه....
لقد مات أخواتكم في حادث مروع تقشعر منه الأبدان...
فلم نفكر في شئ، وانطلقنا إلى مكان الحادث لنرى ماذا فعلت الحادثة بقلب الأب الجافي المتعجرف، فما كان منه إلا نظر إلينا في صمت ورهبة والدموع تذرف من عيوننا ، ثم سقط على الأرض صريعا....
آيات شعبان
ayat_shaban@yahoo.com